سميح عاطف الزين

168

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وهي هناك ، أن تزور مثوى زوجها ، وفاء لذكراه ، وهي الأمينة ، والوفية لأيام الزوجية ، كما وهو وفاؤها للقيم والمثل الإنسانية الرفيعة . ولم تطل مدة بقائها كثيرا في يثرب ، رغم ما لاقت من الحفاوة والإكرام هي وابنها عند بني عدي بن النجار ، أقارب حميها عبد المطلب لأمه ، وأخوال زوجها المتوفى عبد اللّه . لقد آثرت آمنة العودة سريعا ، ولمّا يمض شهر على إقامتها في يثرب ، لأن حماها كان لا يطيق فراق حفيده ، ولأنها تجد هي الأمان في كنف هذا الرجل الذي بذل كثيرا من نفسه لأجلها . . ولكنها لم تكن تعلم ، وهي تودعه في مكة ، أنه الوداع الأخير ، وأنها مفارقته في هذه الدنيا إلى غير رجعة . فما إن وصلت راحلتها إلى الأبواء ما بين يثرب ومكة ، حتى فاجأها مرض الحمّى ، وعجّل في موتها ، دون سابق إنذار ، فدفنت في تلك المحلة ، تغمدها اللّه تعالى برحمته ورضوانه . . لقد داهم الموت أم محمد فصار يتيم الأبوين وليس له من العمر إلا ست سنوات ، وهي السن التي يبدأ فيها أول الوعي عند الولد ، وبذلك لم يعش معها أكثر من سنة بعد إعادته من مضارب بني سعد . إلّا أنّ تلك المدة ، على قصرها ، كانت كافية لتشبع نفسه بحنان الأمومة ، وتطبع في ذهنه صورة جميلة محببة عن هذه الأم التي تعلقت به ، وتعلق بها حتى صارا وكأنهما روح واحدة في جسدين ، فكان طبيعيا أن تلتاع نفسه ، ويهلع قلبه وهو يراها توارى جدث الرحمة ، وتغيب عن ناظريه في فجوة غطّاها الرمل الكثيف . فيرتمي فوق قبرها باكيا ينادي أمه فلا تجيب ، ويصرخ شاكيا فلا تردّ . إنها مشيئة اللّه السنيّة أن يعيش محمد مثل هذا اليتيم في سن مبكرة ، ليكون له آية في الكبر ، وليكون هو نفسه